محمد متولي الشعراوي
173
تفسير الشعراوي
هذه ظلمات . . ولكن لا تحاول ان تأخذها بمقاييس عقلك . . والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى . . لأنك إذا قرأت قول الحق سبحانه وتعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) ( سورة الإسراء ) كيف يكون الحجاب مستورا ؟ . . مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئا عن شئ . . ولكن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم . . انه برغم أن الحجاب يستر شيئا عن شئ ، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه . . وبعض العلماء يقولون : إن مستورا اسم مفعول . . وهو في معنى اسم الفاعل ساتر . . نقول لا . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) ( سورة مريم ) مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل آتى . . ويقول البعض وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل . . نقول انك لم تفهم . . هل وعد اللّه يلح في طلب العبد . . أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه . . والموعود هو المستفيد وليس الوعد . . اذن من دقة القرآن الكريم . . انه يريد أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد . . وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم الفاعل . فحين يقول الحق سبحانه وتعالى : « وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » . . نفى النور عنهم . . والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس . . ولكنه قانون البصر . . وانظر إلى دقة التعبير القرآني . . إذا امتنع النور امتنع البصر . . أي ان العين لا تبصر بذاتها . . ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ثم انعكاسه على العين . .